الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

61

نفحات القرآن

نعم إنَّ ذنبهم العظيم هو أنّهم لم يستفيدوا من عقولهم وعطلوها عن النهوض بمهامها ، ولم يصغوا لقول الحق وبهذا أغلقوا أبواب المعرفة والعلم ، وفتحوا أبواب جهنم ليدخلوها داخرين . إنّ سياق الآية الثانية التي تنسب الإثم إلى أصحاب السعير وهم يعترفون بأنّ مصيرهم ما كان هذا لو أنهم استفادوا من عقولهم ، وهذا الاعتراف الكاشف عن الندم ، دليل على أنّ سلوكهم لهذا الطريق كان باختيارهم ، وإذا زعم بعض المفسّرين كالفخر الرازي عند تفسيره للآية الأولى أنّها دليل على الجبر ، فإنّ الثانية تنفي مزاعمه وتصلح لأنّ تكون مفسرةً للأولى لأنّ « القرآن يفسر بعضه بعضاً » . وعلى أيّة حال فإنّ العلاقة بين « جهنم » و « الجهل » لا جدال فيها في القرآن وسوف تتضح في الأبحاث القادمة أكثر « 1 » . 27 - الجهل مصدر انحطاط البشر « إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لَايَعْقِلُونَ » . ( الأنفال / 22 ) إنَّ هذه الآية والتي قبلها تُشيران إلى موضوع واحد لكن الأخيرة تشير له صراحة والسابقة تلميحاً ، والموضوع هو : إنّ الإنسان متى ما ترك الاستعانة بوسائل المعرفة التي منحها اللَّه له فانّه سينحط ويسقط إلى مستوى يجعله أضل من جميع الدواب التي على وجه الأرض ، ولَم لا يكون كذلك مَن بإمكانه أن يصل إلى أعلى عليين في جوار ربّ العالمين ، وأن يصل إلى مقام « لا يرى به إلّااللَّه » ، ولكن بتركه جميع المواهب والمِنَح الإلهيّة فإنّه سيسقط إلى أسفل سافلين . إضافةً إلى هذا ، فإنّ الإنسان الذي لا يسير في جادة الخير والهداية ، فإنه ربّما يستخدم تلقائياً جميع المواهب والقابليات الإلهيّة في طريق الشر ، وسيرتكب جرائم مفجعة ويخترع

--> ( 1 ) . في حديث للرسول صلى الله عليه وآله يقول فيه : « إنّ اللَّه أوحى إليَّ أنَّه مَن سلك مسلكاً يطلب فيه العلم سهلت له طريقاًالجنة » . ( بحار الأنوار ، ج 1 ، ص 173 ) .